أبو الصلاح الحلبي
239
تقريب المعارف
وقال فيها : ولقد مضت منكم أمور ( 1 ) وسلفت ، ملتم علي فيها ميلة واحدة ، كنتم فيها غير محمودي الرأي ، أما لو ( أ ) شاء أن أقول لقلت : سبق الرجلان ، وقام الثالث كالغراب همته بطنه ، وفرجه أمله ، لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له ، شغل عن الجنة ، والنار أمامه ( 2 ) . فأخبر عليه السلام بتحاملهم عليه وظلمهم جميعا له ، وأن الثالث يلي بذلك السابقين إلى ظلمه . وقوله عليه السلام في خطبته الوسيلة : ولئن تقمصها دوني الأشقيان ، ونازعاني فيما ليس لهما بحق وهما يعلمان ، فركباها ضلالة واعتقداها جهالة ، فلبئس ( ما ) عليه وردا ، وبئس ما لأنفسهما مهدا ، ببلاغتان ( 3 ) من محلهما ، ويبر أكل منهما من صاحبه بقوله لقرينه إذا التقيا : ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) ( 4 ) . وقوله فيهما : وليس رتعا في الحطام المتصرم والغرور المنقطع ، وكانا منه على شفا من الأجل ومندوحة من الأمل ، فقد أمهل الله شداد بن عاد وبلعم بن باعورا وثمود بن عبود ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، حتى إذا أتتهم الأرض بركاتها أخذهم الله بغتة ، فمنهم من أردته الخسفة ، ومنهم من أحرقته الظلمة ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أهلكته الرجفة ، ( وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ( 5 ) ، ولم يكن حال الظالمين إلا كخفقة أو وميض برقة ، حتى لو كشف لك عما هو ( ى ) إليه الظالمون وآل إليه الأخسرون لهربت إلى الله عز ذكره مما هم فيه مقيمون ، ( خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) ( 6 ) .
--> ( 1 ) في النسخة : " أمر " ، والمثبت من المصدر . ( 2 ) أنظر مصادر هذه الخطبة في البحار 32 : 9 - 16 ، باختلاف . ( 3 ) كذا . ( 4 ) الزخرف 43 : 38 . ( 5 ) العنكبوت 29 : 40 . ( 6 ) البقرة 2 : 85 .